ابن خلدون
511
تاريخ ابن خلدون
حتى تلطف وترق وتصفو فإذا فعلت ذلك فقد فتح الله عليك فابدا بالتركيب الذي عليه مدارا العمل وذلك أن التركيب لا يكون إلا بالتزويج والتعفين فاما التزويج فهو اختلاط اللطيف بالغليظ وأما التعفين فهو التمشية والسحق حتى يختلط بعضه ببعض ويصير شيئا واحدا لا اختلاف فيه ولا نقصان بمنزلة الامتزاج بالماء فعند ذلك يقوى الغليظ على إمساك اللطيف وتقوى النفس على الغوص في الأجساد والدبيب فيها وإنما وجد ذلك بعد التركيب لان الجسد المحلول لما ازدوج بالروح مازجه بجميع أجزائه ودخل بعضها في بعض لتشاكلها فصار شيئا واحدا ووجب من ذلك أن يعرض للروح من الصلاح والفساد والبقاء والثبوت وما يعرض للجسد لموضع الامتزاج وكذلك النفس إذا امتزجت بهما ودخلت فيهما بخدمة التدبير اختلطت أجزاؤها بجميع أجزاء الآخرين أعني الروح والجسد وصارت هي وهما شيئا واحدا لا اختلاف فيه بمنزلة الجزء الكلي الذي سلمت طبائعه واتفقت أجزاؤه فإذا ألقى هذا المركب الجسد المحلول وألح عليه النار وأظهر ما فيه من الرطوبة على وجهه ذاب في الجسد المحلول ومن شأن الرطوبة الاشتعال وتعلق النار بها فإذا أرادت النار التعلق بها منعها من الاتحاد بالنفس ممازجة الماء لها فان النار لا تتحد بالدهن حتى يكون خالصا وكذلك الماء من شانه النفور من النار فإذا الحت عليه النار وأرادت تطييره حبسه الجسد اليابس الممازج له في جوفه فمنعه من الطيران فكان الجسد علة لامساك الماء والماء علة لبقاء الدهن والدهن علة لثبات الصبغ والصبغ علة لظهور الدهن وإظهار الدهنية في الأشياء المظلمة التي لا نور لها ولا حياة فيها فهذا هو الجسد المستقيم وهكذا يكون العمل وهذه التصفية التي سالت عنها وهي التي سمتها الحكماء بيضة وإياها يعنون لا بيضة الدجاج واعلم أن الحكماء لم تسمها بهذا الاسم لغير معنى بل أشبهتها ولقد سألت مسلمة عن ذلك يوما وليس عنده غيري فقلت له أيها الحكيم الفاضل أخبرني لأي شئ سمت الحكماء مركب الحيوان بيضة اختيارا منهم لذلك أم لمعنى دعاهم إليه فقال بل لمعنى غامض فقلت أيها الحكيم وما ظهر لهم من ذلك من المنفعة والاستدلال على الصناعة حتى شبهوها وسموها بيضة فقال لشبهها وقرابتها من المركب ففكر فيه فإنه سيظهر لك معناه